محمد غازي عرابي
1160
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سبحانه مالك الملك ، والإشارات الواردة في الآيات التالية إلى انفجار الأنوار في صبح اليقين للعارفين وقد ضرب له موعد بين أواخر الليل والصبح ، والإشارة إلى خروج العارف من ليل الغفلة إلى صبح المعرفة كما قال سبحانه : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [ الأنعام : 122 ] ، فالعملية إلهية ، يتولاها النور الأول جبريل حقيقة النبي ، ولهذا قلنا من قبل إن الحقيقة المحمدية حقيقة كل نبي ، ونور كل نبي ، ونور كل عارف ولي بلغ اليقين . وتحدثنا عن نظرية المطاع للإمام الغزالي ، ولنا في المطاع نظرية أيضا أوردناها مفصلة في كتابنا الإنسان الكامل ، والمطاع هو الصوت الداخلي الذي يبعث ، بعد أن يطابق بين شقي النفس المنشطرين فيعودان وحدة كما ذكرنا قبل قليل ، وهذه الوحدة هي المطاع نفسه ، فالمطاع يطلع أولا على قمر القلب ، ثم يجمع بين المتضادات ، وهو مركز الدائرة الجامعة للأسماء التي تملأ الأفق ، فيسد هو الأفق كما رأى النبي جبريل يسد الأفق ، وخروج هذا الصوت ذي الصلصلة عظيم ، ملأ النبي رهبة وفزعا فأسرع إلى زوجه خديجة قائلا دثروني ، دثروني . ولا يرتاب المؤمن حين يبلغ هذا الأفق ، فهو معتاد على صوت الضمير فيه ، سماع له ، عبد يأتمر بأمره ، فإذا ساقه الصوت إلى وادي جهنم ألقى نفسه فيه تنفيذا للأمر ، فإذا الجبار قد وضع قدمه في جهنم ، فتقول أطّ ، أطّ فتنطفئ ، وينبت فيها شجر الجرجير ، إشارة إلى حلول السّلام ، ومجيء اليقين والفتح المبين ، فتزول جهنم ، وتنطفىء نارها التي تصبح بردا وسلاما على قلوب العارفين ، والأمر منوط بمشيئته سبحانه ، وجاء في أسباب نزول الآية التاسعة والعشرين أن أبا جهل قال لما سمع : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [ التكوير : 28 ] . ذلك إلينا ، إن شئنا استقمنا ، وإن شئنا لم نستقم ، فأنزل اللّه : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ التكوير : 29 ] ، فخاتمة السورة وضعت حدا للنقاش الدائر حول المشيئة ، وكونها إنسانية حرة ، أم إلهية مقيدة ، وكتب الصوفية كلها تذكر أن الإنسان مجبور في اختياره ، وهو مضطر في صورة مختار ، وأنشد ابن عربي : الحكم حكم الجبر والاضطرار * ما ثم حكم يقتضي الاختيار إلا الذي يعزى إلينا ففي * ظاهره بأنه عن خيار لو فكر الناظر فيه رأى * بأنه المختار عن اضطرار